الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

487

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إلى الحد الذي يفضي ببعضهم إلى الكفر به ، وإن كان المراد اختلاف أمم الرسل كل للأخرى كما في قوله : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ [ البقرة : 113 ] ، فالإيمان والكفر في الآية ظاهر ، أي فمنهم من آمن بالرسول الخاتم فاتّبعه ومنهم من كفر به فعاداه ، فاقتتل الفريقان . وأياما كان المراد من الوجهين فإن قوله : فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ينادي على أن الاختلاف الذي لا يبلغ بالمختلفين إلى كفر بعضهم بما آمن به الآخر لا يبلغ بالمختلفين إلى التقاتل ، لأن فيما أقام اللّه لهم من بينات الشرع ما فيه كفاية الفصل بين المختلفين في اختلافهم إذا لم تغلب عليهم المكابرة والهوى أو لم يعمهم سوء الفهم وقلة الهدى . لا جرم أن اللّه تعالى جعل في خلقة العقول اختلاف الميول والأفهام ، وجعل في تفاوت الذكاء وأصالة الرأي أسبابا لاختلاف قواعد العلوم والمذاهب ، فأسباب الاختلاف إذن مركوزة في الطباع ، ولهذا قال تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ثم قال : وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فصار المعنى لو شاء اللّه ما اختلفوا ، لكنّ الخلاف مركوز في الجبلة . بيد أن اللّه تعالى قد جعل - أيضا - في العقول أصولا ضرورية قطعية أو ظنّية ظنا قريبا من القطع به تستطيع العقول أن تعيّن الحق من مختلف الآراء ، فما صرف الناس عن اتباعه إلا التأويلات البعيدة التي تحمل عليها المكابرة أو كراهية ظهور المغلوبيّة ، أو حب المدحة من الأشياع وأهل الأغراض ، أو السعي إلى عرض عاجل من الدنيا ، ولو شاء اللّه ما غرز في خلقة النفوس دواعي الميل إلى هاته الخواطر السيئة فما اختلفوا خلافا يدوم ، ولكن اختلفوا هذا الخلاف فمنهم من آمن ، ومنهم من كفر ، فلا عذر في القتال إلا لفريقين : مؤمن ، وكافر بما آمن به الآخر ، لأن الغضب والحمية الناشئين عن الاختلاف في الدين قد كانا سبب قتال منذ قديم ، أما الخلاف الناشئ بين أهل دين واحد لم يبلغ إلى التكفير فلا ينبغي أن يكون سبب قتال . ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قال لأخيه يا كافر فقد باء هو بها » لأنّه إذا نسب أخاه في الدين إلى الكفر فقد أخذ في أسباب التفريق بين المسلمين وتوليد سبب التقاتل ، فرجع هو بإثم الكفر لأنّه المتسبب فيما يتسبب على الكفر ، ولأنّه إذا كان يرى بعض أحوال الإيمان كفرا ، فقد صار هو كافرا لأنّه جعل الإيمان كفرا . وقال عليه الصلاة والسلام : « فلا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض » ، فجعل القتال شعار التكفير . وقد